top of page

بين شهادات الأكاديمية ونضج الممارسة: درس في التواضع والخبرة من "طماطم الحياة"

image.png

بين شهادات الأكاديمية ونضج الممارسة: درس في التواضع والخبرة من "طماطم الحياة"
تأتينا الصور أحياناً كرسائل بليغة تختصر مجلدات من الحكمة الإنسانية. هذه الصورة، بما تحمله من تباين لوني بين الأحمر السائد والأخضر الوحيد، ونص يوقظ الوعي: "هناك دائماً من يظن نفسه فريداً من نوعه ومختلفاً عن الآخرين وهو في حقيقة الأمر.. لم ينضج بعد"، تفتح الباب واسعاً لنقاش فلسفي وعملي حول مفهوم النضج الحقيقي والاعتداد بالذات في شتى ميادين الحياة، وبالأخص الميدان الطبي.
تواضع الكبار: درس الدكتور عبد الله الربيعة
يُستحضر هنا، في سياق الحديث عن نضج الشهادات مقابل نضج الخبرة، موقف حكيم رواه القامة الطبية والإنسانية معالي الدكتور عبد الله الربيعة. يروي الدكتور، بكل تواضع وثقة، أنه عاد يوماً من كندا، مزهواً بشهادته التخصصية الدقيقة في جراحة الأطفال، وفرحاً بهذا الإنجاز.
في أحد المواقف، أثنى عليه أحد الآباء، مقدراً تخصصه الدقيق وفرحاً بوجود طبيب شاب مثله، لكنه فاجأ الدكتور بطلبه: "يا عبد الله، أنا أقدر فيك أنك تخصصت تخصصه الدقيق ومع تقديري لك، بس أنا أبغى هذا الدكتور (أشار إلى طبيب آخر) هو اللي يسوي العملية لابنتي". الدكتور الذي أشار إليه الأب كان في منصب "استشاري مساعد" ولكنه كان كبيراً في السن وطاعناً في الخبرة.
يعلق الدكتور الربيعة على هذا الموقف بدرس خالد: "مبين الخبرة غير الشهادات.. سبحان الله فعلاً". هكذا هو الحال؛ الشهادة الأكاديمية تمنحك الترخيص، لكن الحياة والممارسة هما اللتان تمنحانك "الخبرة" و"الحكمة" و"الرؤية للقرار". هذا الموقف، بحد ذاته، يُظهر قمة التواضع من قامة كالدكتور الربيعة لاستعادته مثل هذه المواقف التي تذكرنا دائماً بضرورة التأني والتريث، وأن تراكم المواقف هو ما يهيئك لـ إدارة الشؤون والتعامل مع الملفات المعقدة ويمنحك الرؤية الصائبة لاتخاذ القرارات.
حكمة التكامل: تجربة مع المرشدين  الوراثيين
لا تقتصر هذه الحكمة على مرحلة الشباب الأولى، بل هي فلسفة مستمرة في مسيرة التعلم والعمل. ويُستشهد هنا بتجربة شخصية في فترة زمالة الإرشاد الوراثي، حيث كان من الحكمة والتعقل الارتباط الوثيق والتعاون مع المرشدين الوراثيين.
لم تكن عائقاً فكرة أنهم أكبر في السن أو أنهم في تخصصات مساندة للطب، ولم يتدخل كبرياء اللقب الطبي لليّ الحقائق أو ادعاء الفهم لمجرد الأسبقية الزمانية. فالحكمة تقتضي عدم رؤية النفس بنظرة فوقية (الاستشاري مقابل غير الاستشاري)؛ إذ في كل ميادين الحياة، لا يعتمد الأمر على "اللقب"، بل على الانكشاف على الميدان، والتجربة العملية، والمعرفة التراكمية.
الخاتمة: الحكمة من رحم التجربة
أن تظن نفسك فريداً لمجرد أنك مختلف عن الأغلبية في الشهادة، أو اللقب، أو المظهر، دون أن تمتلك النضج الذي تأتي به الخبرة، هو بالضبط ما تصفه الصورة: "لم ينضج بعد".
الشهادة الأكاديمية هي مجرد إذن بالدخول إلى مضمار الحياة. النضج الحقيقي هو تلك الرحلة الطويلة التي نتعلم فيها التواضع أمام المعرفة، ونقدر فيها خبرة من سبقونا (حتى لو كانوا أقل رتبة أكاديمية)، ونتعلم فيها الصبر حتى نكتسب الحكمة اللازمة لاتخاذ القرار.


فالله يعيننا جميعاً على هذه الدنيا، ويرزقنا دائماً النضج في الفكر والتواضع  في العمل.

bottom of page