حيرة العقل و ألم القلب

في ظل ما يشهده عالمنا اليوم، وخاصة في الشرق الأوسط، من أحداثٍ متسارعة وصراعاتٍ مؤلمة—من غزة، إلى التوترات بين إسرائيل وإيران، إلى ما يجري في السودان—تتزاحم الأسئلة في داخلنا:
كيف يحدث كل هذا؟ ولماذا؟ وأين موضع الحكمة وسط هذا الألم؟
ومع تكرار مشاهد المعاناة، قد يجد الإنسان نفسه واقفًا بين حيرة العقل وألم القلب، يبحث عن معنى يُطمئن به روحه، ويُعيد به ترتيب نظرته لما يجري حوله.
تأمل شخصي في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: 128)
شاهدتُ مؤخرًا فيلمًا وثائقيًا عن معاناة المسلمين من قبل البوذيين في روهينغيا، وكان من أكثر ما أثّر فيّ مشهدُ امرأةٍ أنهكها الألم، وهي تقول بمرارة: لماذا يسمح الله بكل هذا؟
توقفتُ عند كلماتها
..… لم تكن اعتراضًا بقدر ما كانت صرخة إنسانٍ موجوع، يبحث عن معنى لما يراه.
وفي تلك اللحظة، تذكّرتُ قوله تعالى:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
هذه الآية نزلت في موقفٍ شديد على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أُحد، حين جُرح وتألم، حتى قال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟
فجاءه الجواب الإلهي الحاسم: ليس لك من الأمر شيء.
وهناك أسباب أخرى للنزول:
القنوت والدعاء على المشركين؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على أحياء من العرب (رِعل، وذَكوان، وعُصَيّة) الذين غدروا بسبعين من القرّاء، فأنزل الله الآية ناهيًا عن استعجال العذاب لهم، فقد يتوب عليهم.
وكذلك لعن أفرادٍ معيّنين؛ فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية، فنزل قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، فأسلموا جميعًا).
تأملت… حتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أرحم الناس وأقربهم إلى الله، لم يكن يملك توجيه مجريات الأحداث كما يشاء، ولا إنزال العقوبة بمن ظلمه في اللحظة التي يريدها.
الأمر كلّه لله.
شعرتُ أن هذه الآية تُعيد ترتيب الأسئلة في داخلي؛
فبدلًا من أن أقول: لماذا يحدث هذا؟
أصبحتُ أسأل: كيف أتعامل مع ما يحدث؟
فما رأيته من معاناة أهلنا في روهينغيا لا يعني أن الله غافل — حاشاه — بل يعني أن هناك ابتلاءً عظيمًا، وأن وراءه حكمةً قد لا نُدركها الآن.
قد يُمهل الله الظالم، وقد يفتح له باب التوبة، كما حدث مع من آذوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا.
وقد يرفع درجات المظلومين حتى يبلغوا منازل لا تُنال إلا بالصبر.
بل إننا نرى في واقعنا ما يؤكد ذلك؛ كيف أن إيمان أهل غزة وثباتهم أذهل العالم، وجعل كثيرًا من الناس يُقبلون على قراءة المزيد عن الإسلام، ويتساءلون عن سر هذا الصبر العجيب.
تلك المرأة… شعرتُ أنها لا تحتاج جوابًا فلسفيًا بقدر ما تحتاج من يُطمئن قلبها:
أن الله يرى، وأن الله يعلم، وأن الألم لا يضيع.
خرجتُ من ذلك الفيلم الوثائقي وأنا أشعر بمسؤولية مختلفة:
أن أدعو لهم بالثبات،
وأن أُذكّر نفسي قبل غيري بأن الثبات في زمن الفتن عبادة عظيمة،
وأن أُحسن الظن بالله مهما اشتدّ المشهد.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾
ليست آية تُغلق الأبواب، بل تفتح باب التسليم، وتمنح القلب سكينة:
أن هناك ربًّا يُدبّر كل شيء… بعدلٍ ورحمة، حتى وإن غابت عنا الحكمة.
د. وفاء بن عييد
29 رمضان 1447
18 مارس 2026

